هي الماء، التي جعلها الله بادئةً لكل حياةٍ وشرطًا لا تتم إلا بهِ، هَذا المركب البسيط عديم اللون والطعم والرائحة، والذي يمكننا أن ننشد الأشعار في حب هَذا المخلوق وهَذا بالطبع ما لا يسعنا المكان ولا المقام بأن نفعله.

مذ تكوّن إدراكي، وأنا ألحظ كيف تمرق المياه بين يديّ رغم مُحاولاتي العديدة الاحتفاظ بأكبر قدرٍ منها، وبالطبع المحاولات تبوءُ بالفشل، هكذا دون عناءٍ أو انتظارٍ للوقت، لا تقبل الماء مهانةَ أن تبقى قليلًا وتنهالُ بالتسرّب حتى لا يبقَ في كفّتاي قطرة واحدة.

لا أذكر متى تكوّن إدراكي بالطبع، ولكنني أذكر لحظة الشرود التي راودتني اليوم -والتي بسببها كُتبت هذه المقالة- أثناء محاولاتي ملئ يديّ لأجد السؤال الطفولي الأزلي يراودني مُجددًا، لماذا يحدثُ هذا؟

كشخصٍ يملك ما يكفي من الرصيد الكيميائي، أعرُف الإجابة ببساطة، ولكن لأن هُناك رصيدًا خاصًا بالصفعات التي تمنحها الحياة مجانًا، وجدتُ نفسي أُعيد هيكلة السؤال وتطبيعه في قالبٍ آخر. اليوم لم يكن بينَ يداي الماء بقدر ما كَانت أشخاصًا، مواقفَ، قراراتٍ كانت طبيعة يداي لا تقوى على الاحتفاظ بهم، بل ربما لم أكن أحكمُ قبضتي، بل ربما كانت ميوعة من سبق ذكرتهم أكثر من أن تسمح بالبقاء في حوزتي.

إن محاولة ملئ يداك بالقليل من الماء، تُساعدك على ضمانها طويلًا، وهذه حكمة لم أتوقع وجودها هنا، نعم! القليل يدوم، هذه إحدى الدروس الممنوحة مجانًا -أيضًا- من الطبيعة.

وأما العكس، ماذا لو أسرف المرء في ملئ يداه؟ ما سيقوله المجيب أن المياه ستندفع بسرعة كبيرة مُحدثةً ربكةً وفيضانًا مصغّرا وستتحول يداك إلى عيونٍ جارية دون أن تستفيد مما تفعله أو بقطرة واحدةٍ، وهَذه إجابة أخرى مجانية، والأمثلة على هذا كثيرة أيضًا ومخجلة.

أنا أعتبر الماء أنثى مُتعصبة، تختلف عنّا فيزيائِيًا، تطهّر من حولها، لا تقبل غليظ القوام كالزيت، تميل وتنحني فقط للجاذبية، وهنا يكتشف الإنسان وبكل حسرة مااكان يحدث، نعم يداك كانتا العائق هنا، ستظل الماء تنفذ ما استطاعت فقط لتكمل طريقها في السقوط سواءً أكانت وجهتها في مصبِ مصلحتها أم لا، اعلم فقط بأنك لست الوجهة.

حسنًا ماذا يتطلّب ليكون المرء قادرًا على الاحتفاظِ بهذه الماء إن أحبَ وجودها؟ ألم تتشابك الأصابع خوفًا وطمعًا؟ مثل هذه الأسئلة تمنحك الإذن في أن تكونَ مجنونًا بل وتفتح الباب وتعبّد الطريق أمامك.

بالطبع تُوجد بدائل أكثر ثباتًا ومقدرةً على البقاء، وبعضها قد يلتصق ويلوّن جسدك حتى ويرطّبهُ، وفكرة أن يكون هُناك بديلٌ تبقى وستظل دومًا فكرة منقوصة ومُؤقتة. هذه إحدى الأشياء التي يمكن أن تبوح بكل فخرٍ قائلًا: أنا لا أستطيع أن أتخلى عنكِ!